البرمجيات الحرة vs البرمجيات المغلقة: قصة الصراع الذي بدأه بيل غيتس وريتشارد ستالمان

ahmed x86
0




رحلة البرمجيات: من المطبخ المنزلي إلى السلع المغلقة

في البداية، مكنتش البرمجيات سلعة بتتباع وتتغلف في كراتين بآلاف الدولارات؛ الموضوع كان أبسط وأنقى من كده بكتير. البرمجة في بدايتها كانت تشبه "وصفات الطبخ" اللي الجدات بيتناقلوها بحب ومن غير بخل، فالمبرمجين في الخمسينيات كان شغلهم الشاغل هو إزاي يخلوا "الحديد" (Hardware) يشتغل، ومكنش حد بيتخيل إن "سطور الكود" ممكن تبقى أهم من الجهاز نفسه. لما كنت تشتري حاسوب ضخم بحجم الأوضة من شركة IBM، كانت البرامج بتيجي معاه كدعم فني مجاني، "خدمة مجانية" عشان الجهاز يشتغل ويؤدي الغرض اللي مبيوع علشانه.

هنا سادت ثقافة نقية جداً؛ المبرمجين والباحثين كانوا بيتبادلوا الأكواد (Source Code) زي ما بنتبادل النصائح النهاردة، بيصلحوا أخطاء بعض بعفوية، ومحدش كان بيفكر في كلمة ملكية فكرية أو "ده بتاعي". كان فيه دستور غير مكتوب بيقول إن المعرفة حق للجميع، فلو مبرمج في كاليفورنيا لقى طريقة يخلي بيها الجهاز أسرع، كان بيبعتها فوراً لزميله في نيويورك "على طبق من فضة". الأجواء دي مكنتش مجرد "جدعنة"، دي كانت ضرورة تقنية لأن التكنولوجيا كانت لسه بتحبي، والكل كان محتاج مساعدة الكل عشان المركب تمشي وتوصلنا للي بنسميه النهاردة العصر الذهبي للتعاون.

العصر الذهبي للتعاون (الخمسينيات - الستينيات)

المبرمج في الوقت ده كان "فنان وباحث" بجد، مكنش فيه أقفال رقمية، ولا كلمات مرور معقدة، ولا "اتفاقيات ترخيص" محتاجة جيش محامين عشان تقراها وتفهمها. الشفرة المصدرية كانت متاحة للكل "على المكشوف"، كأنها كتاب مفتوح في مكتبة عامة يقدر أي حد يستعيره ويضيف هوامشه عليه. كانت المختبرات الجامعية هي "المنبع" الحقيقي لكل الابتكارات، والشركات الكبيرة وقتها كانت بتعتبر إن تعاون المبرمجين ده في مصلحتها المباشرة، لأنه ببساطة بيطور الأجهزة بتاعتها ويخليها مرغوبة أكتر في السوق، فالمصلحة كانت متبادلة والكل كسبان.

الفكرة السائدة وقتها كانت إننا بنبني مستقبل البشرية مش بنجمع ثروة من سطرين كود، فكانت البرمجة عمل جماعي يشبه بناء بيت واحد بيسكنه الجميع؛ لو حد لقى "شرخ" في الحيطة بيصلحه ويبعت الحل لكل سكان البيت بكل مودة وإخلاص. لكن يا خسارة، "الحلو ميكملش"، والجو الأسري الوردي ده كان وراه عاصفة قانونية وتجارية مكتومة هتغير شكل التكنولوجيا للأبد، وبدأت ملامحها تظهر بوضوح مع قرار IBM التاريخي اللي عرفناه بـ "لحظة الانفصال الكبير".

لحظة الانفصال الكبير (1969)

الهدوء ده اتهز فجأة لما شركة IBM لقت نفسها في "عنق الزجاجة" قدام القضاء الأمريكي بتهمة الاحتكار، وعشان تخلص من الصداع ده، أخدت قرار غير مسبوق: قررت تفصل سعر البرمجيات عن سعر الأجهزة. القرار ده مكنش مجرد حركة إدارية أو مالية، ده كان الزلزال اللي شق الأرض تحت رجلين المبرمجين، فجأة الكود اللي كان "مساعدة لوجه الله" بقى "كيان تجاري" مستقل وله تمن، وبدأت الشركات تدرك إن منجم الذهب الحقيقي مش في "الحديد" اللي بيصدي، لكن في "الروح" اللي بتشغل الجهاز.

من اللحظة دي، بدأ عصر الصناعة البرمجية بمعناه التجاري البحت، وظهرت شركات مبيشغلوش بالهم بصناعة الترانزستورات، كل همهم إنهم يبيعوا "أقراص" عليها أكواد مقفولة. وبدأ السوق يتعامل مع المبرمج كأنه "ترزي" بيفصل قماش للشركة اللي بتدفع، مش عالم بيشارك معرفة مع زمايله في الجامعات. التحول ده هو اللي مهد الطريق لظهور شخصيات جديدة شافت في "قفل الكود" فرصة العمر، وعلى رأسهم الشاب اللي صدم المجتمع التقني كله بيل غيتس.

صدمة بيل غيتس والغطاء القانوني (السبعينيات)

وسط التحول ده، ظهر بيل غيتس وهو لسه في بداية طريقه، وفي سنة 1976، لما لقى المبرمجين الهواة بيتداولوا برنامجه (Altair BASIC) من غير ما يدفعوا تمنه، بعت رسالة "نارية" وصفهم فيها بـ "اللصوص". الرسالة دي كانت الصدمة اللي فوّقت الجميع من أحلامهم؛ المشاركة اللي كانت "جدعنة" وسلوك طبيعي بقت في نظر القانون الجديد جريمة وسرقة. غيتس مكنش بس بيطالب بفلوسه، هو كان بيأسس لثقافة "البرمجيات كمنتج مملوك"، وناضل عشان يكون للشركات سلطة مطلقة على اللي بتنتجه من أكواد.

وعشان "يتحبك" الموضوع، دخل القانون في الخط بتقل تقله؛ في سنة 1976 تم تعديل قوانين حقوق النشر في أمريكا عشان تشمل الأكواد البرمجية وتعاملها زيها زي الروايات الأدبية والكتب. ومن هنا، الكود اتقفل عليه "بالضبة والمفتاح"، ومبقاش من حقك تنسخ، أو تعدل، أو حتى تفرج الكود لصاحبك اللي قاعد جنبك، وإلا هتلاقي نفسك تحت طائلة غرامات تقطم الظهر. وبكدة، دخلنا رسمياً في عصر الأقفال والسرية، حيث أصبح الكتمان هو القانون الجديد للمهنة.

عصر الأقفال والسرية

الشركات بطلت تدينا "وصفة الطبخة" وبقت تدينا "الوجبة الجاهزة" بس، يعني تاخد البرنامج "صندوق أسود" يشتغل عندك وأنت متعرفش إيه اللي بيجرى جواه. ولو حصلت مشكلة أو "تهنيجة"؟ لازم ترجع للشركة "وتستني دورك" عشان يصلحوها، وممنوع تلمس حاجة بإيدك حتى لو كنت عبقري ومحترف. وعشان تضمن الشركات إن "السر ميتسربش"، اخترعوا اتفاقيات السرية (NDA) اللي حولت المبرمجين لمجرد تروس في ماكينة، بيمضوا على صمتهم قبل ما يكتبوا أول سطر كود.

المبرمجين بقوا حاسين إنهم معزولين؛ كل واحد شغال في "جزيرة" لوحده، والتعاون العلمي اللي بنى التكنولوجيا وبنى الإنترنت في بداياته بقى في نظر القانون "خيانة للأمانة". الجو ده كان "خنيق" جداً ومحبط لأي روح مبدعة، وبالذات في معمل الذكاء الاصطناعي في MIT، حيث كان هناك شخص واحد بيراقب المشهد ده بمرارة وغضب، وهو ريتشارد ستالمان، اللي شاف جنته التقنية بتتحول لسجن كبير.

ستالمان في معهد MIT: من "الجنة التقنية" إلى عصر الجدران المغلقة

جوه معمل الذكاء الاصطناعي في معهد MIT العريق، كان ستالمان عايش في "يوتوبيا" حقيقية؛ مكنش فيه كلمات مرور، والبيبان كانت دايماً مفتوحة للكل. كلمة "هكر" عنده كانت لقب شرفي، تعني الشخص اللي بيستخدم ذكاءه عشان يحل مشكلة مستحيلة بطريقة "صايعة" ومفيدة للناس. كان المبدأ في MIT بسيط وواضح: "لو عملت برنامج مفيد، سيبه للناس تستفيد منه"، فالمعرفة كانت بتكبر بالتراكم مش بالحجب، وستالمان كان بيعتبر إن ده هو السبيل الوحيد لتقدم البشرية.

بس الجنة دي بدأت "تتلوث" بموجة البرمجيات التجارية اللي اجتاحت كل حتة، والشركات بدأت تبعت "مندوبين" للمعمل، مش عشان يتعاونوا، لكن عشان "يخطفوا" العقول والأكواد ويحطوها وراء جدران الملكية الخاصة. فجأة، زمايل ستالمان بدأوا يختفوا واحد ورا التاني، وبدأ الكود اللي كان متاح للكل يختفي ورا كلمات سر وعقود قانونية معقدة، لحد ما حصلت "حادثة الطابعة" الشهيرة اللي غيرت مسار حياة ستالمان للأبد.

حادثة الطابعة (Xerox): القشة التي قصمت ظهر البعير

التحول الدرامي ده محصلش بسبب قرار سياسي كبير، حصل بسبب طابعة ليزر Xerox أهدتها الشركة للمعمل! الطابعة كانت بتعطل كتير وتحشر الورق، وستالمان ببساطة حب يحل المشكلة زي ما اتعود؛ طلب الشفرة المصدرية عشان يخلي الطابعة تبعت "رسالة تحذير" للمستخدمين لما تتعطل. الصدمة كانت إن الشركة رفضت تماماً بحجة "السرية التجارية". ولما عرف إن فيه زميل له في جامعة تانية معاه الكود، راح يسأله، فالزميل رد عليه بكسوف: "مقدرش أديهولك.. أنا ماضي على عقد سرية".

هنا ستالمان "شاط" وحس إن الأخلاق البشرية بتنهار قدام عينيه؛ إزاي مبرمج يمنع زميله من "معروف" بسيط عشان حتة ورقة؟ ومن اللحظة دي، أدرك إن الموضوع مابقاش مجرد كود، دي بقت حرب على القيم والمبادئ. حس إن النظام الجديد بيجبر الناس إنهم يكونوا "أنذال" مع بعض، وقرر إنه مش هيقف يتفرج على انهيار المجتمع اللي عاش فيه عمره كله، فبدأ يراقب بأسى انهيار الروابط الإنسانية وهجرة زمايله لشركات الملكية.

انهيار المجتمع وهجرة الزملاء

على بداية الثمانينيات، "اللمة اتفضت" في معمل MIT؛ أغلب زمايل ستالمان سابوا البحث العلمي وراحوا أسسوا شركات خاصة وأخدوا معاهم الأكواد اللي اشتغلوا عليها "سوا" في المعمل، وقفلوها وبدأوا يبيعوها للناس. المعمل اللي كان خلية نحل بقى "مهجور" وصامت، والروح التعاونية اللي كانت بتميزه ماتت وشبعت موت. ستالمان لقى نفسه وحيداً، محاصر بأجهزة ومعدات ملهوش حق يفهمها أو يصلحها، وكأنه "ضيف" في بيته القديم.

كان قدامه طريقين: يا إما يبيع نفسه هو كمان ويمضي عقود السرية ويعيش "ملك" بفلوس الشركات، يا إما يختار الطريق الصعب ويحارب لوحده عشان يرجع "الحق لأصحابه". ستالمان مكنش من النوع اللي بيبحث عن الرفاهية، هو كان بيبحث عن "العدل الرقمي". وبدل ما يقعد يندب حظه، قرر يدخل في مواجهة مباشرة مع الشركات اللي سرقت مجهود السنين، وبدأ معركته الشخصية ضد شركة "سيمبوليكس".

ستالمان ضد سيمبوليكس: المعركة من أجل كسر القيد

لما شركة Symbolics انشقت وأخدت نظام التشغيل بتاع المعمل وقفلت عليه، ستالمان شن عليهم "حرب عصابات برمجية" من طراز فريد. كل ما الشركة تنزل ميزة جديدة في نظامها المقفول، ستالمان كان بيقعد "يسهر الليالي" ويحلل الميزة دي بتعمل إيه، وبعدين يعيد كتابتها من الصفر "كود حر" وينشره للكل بالمجان. كان عايز يكسر احتكارهم ويقولهم: "مش هتقدروا تلووا ذراع الناس بتميزكم التقني، لأن الحرية دايماً أقوى".

المعركة دي استنزفت طاقته لمدة سنتين كاملين، وعلمته درس مهم جداً: إن "الترقيع والمطاردة" مش هينفعوا على المدى الطويل. الشركات دايماً هيكون عندها جيوش مبرمجين ومحامين، والحل الحقيقي مش في ملاحقة برامجهم، لكن في خلق "بديل" كامل ليهم. ومن هنا وصل للحظة التنوير اللي غيرت تاريخ الحوسبة؛ أدرك إن الحل مش في الإصلاح، لكن في التأسيس لعالم جديد خالص.

لحظة التنوير: الحل ليس في الإصلاح بل في التأسيس

بعد التجربة المرهقة دي، ستالمان وصل لحقيقة خبطت في دماغه زي البرق: طول ما السيستم القانوني والتقني متفصل على مقاس الشركات، المبرمج هيفضل محبوس. الحل الوحيد هو بناء "عالم بديل" بالكامل؛ نظام تشغيل حر من الألف للياء، محدش يملكه والكل يساهم فيه، نظام يكون بمثابة "حصن" لكل مبرمج عايز يحافظ على كرامته التقنية.

وبكل شجاعة، أعلن للعالم إنه هيستقيل من MIT عشان ميكونش ليهم أي حق قانوني في اللي هيكتبه، وهيبدأ من الصفر مشروع سماه (GNU). كان عارف إن المهمة شبه مستحيلة لشخص واحد، بس كان مؤمن إن "قضية الحرية" هتجذب المخلصين. ومن هنا بدأ يرسم ملامح المشروع، ويربط بين "العادة القديمة" في التعاون وبين "القضية الجديدة" في التحرر الرقمي.

ما قبل GNU: حينما تحولت "العادة" إلى "قضية حرية"

قبل ما "الحرية الرقمية" تبقى مصطلح فخم في الكتب، كانت مجرد "طبيعة بشرية" عند المبرمجين الأوائل اللي كانوا بيساعدوا بعض بالفطرة. بس لما الجدران عليت، ستالمان عرف إن "النية الطيبة" لوحدها مش هتحمينا من أطماع الشركات، ولازم "الجدعنة" دي تتحول لنظام محكم له صوت وقوة. البرمجة بالنسبة له مكنتش مجرد "شغلانة"، دي كانت وسيلة للتعبير عن الحرية الإنسانية.

آمن بـ "القاعدة الذهبية": عامل الناس زي ما تحب يعاملوك، فلو أنا محتاج مساعدتك في كود، لازم أكون أول واحد يفتح كوده ليك. ومن هنا، فكرة "البرمجيات الحرة" اتحولت من ممارسة عفوية لمشروع منظم هدفه حماية المستخدم من جشع المحتكرين. ستالمان مكنش عايز بس يعمل برامج "شغالة"، كان عايز يعمل برامج "حرة"، والحرية دي لازم تكون شاملة ومبتجزأش، من أصغر تطبيق لحد "قلب" النظام.

مفهوم الحرية الشاملة: من التطبيق إلى النواة

ستالمان كان عنده رؤية "راديكالية": مفيش حاجة اسمها حرية "نص كم". لو بتستخدم برنامج حر على نظام "ويندوز" مقفول، فأنت لسه تحت رحمة شركة مايكروسوفت؛ ممكن في أي لحظة تقفل عليك المحبس أو تتجسس عليك. الحرية لازم تبدأ من "الأساسات"؛ من النواة اللي بتكلم الجهاز لحد الشاشة اللي بتشوفها. كان عايز يبني "بنية تحتية" للحرية تدوم للأبد ومحدش يقدر يهدها.

وبدأ يخطط لبناء نظام تشغيل (Operating System) كامل، يكون متاح للكل، ومحدش يقدر يحبسه ورا عقد ملكية. وبما إن "يونكس" كان هو النظام المسيطر وقتها، قرر ستالمان إنه يقلد تصميمه بس بـ "روح حرة"، وبعت رسالته الشهيرة اللي هزت عالم البرمجة في 1983 معلناً ميلاد مشروع GNU، اللي اسمه لوحده كان بيحمل روح الفكاهة والتمرد بتاعة الهاكرز.

ميلاد مشروع GNU: الرسالة التي هزت عالم البرمجة (1983)

في 27 سبتمبر 1983، بعت ستالمان إيميل تاريخي لمجموعات النقاش، مكنش مجرد إيميل، كان "مانيفستو" أو بيان استقلال رقمي. قال فيه بوضوح: "أنا هكتب نظام برمجيات كامل متوافق مع يونكس، وهسميه GNU، وهيكون متاح للكل". اختار يونكس كقالب لأن الناس متتغربش وتحس إن الموضوع مألوف، بس الكود جوه كان مختلف تماماً؛ كود مفيش فيه "أسياد وعبيد".

الرسالة دي كانت بمثابة "صفارة البداية" لثورة حقيقية. المبرمجين اللي كانوا حاسين بالخنق بدأوا يتجمعوا حول الحلم ده. ستالمان مكنش بيبحث عن التميز التقني بس، كان بيبحث عن "العدل". الاسم نفسه (GNU) كان رسالة في حد ذاته، بيعبر عن الروح المرحة والمتمردة اللي بتميز مجتمع الهاكرز الحقيقيين، واللي بيصروا دايماً إنهم يفرقوا نفسهم عن "البيزنس" التقليدي.

تسمية GNU: الروح المرحة للهاكرز

الاسم GNU هو اختصار تكراري (Recursive Acronym) وهو: "Gnu's Not Unix" (جنو ليس يونكس). الفكرة إن الكلمة الأولى في الاختصار هي "جنو" نفسها، ودي نكتة تقنية مشهورة بتبين إن الهاكرز ليهم لغتهم الخاصة وعالمهم اللي مبيفهموش إلا اللي زيهم. التسمية دي كانت بتقول للشركات: "إحنا زيكم في القوة، بس إحنا مش أنتم في الاحتكار".

ستالمان كان بيصر جداً على نطق حرف الجيم (G-noo) بوضوح، عشان الناس متتلخبطش بين المشروع وبين حيوان "النو" الأفريقي، وكأنه بيقولنا: "ده كائن جديد خالص هدفه الحرية، مش مجرد حيوان بري". الاسم ده بقى رمز لحركة عالمية، وكان لازم الحركة دي يكون ليها "دستور أخلاقي" يوضح للناس الفرق بين "المجاني" وبين "الحر"، عشان محدش يضحك عليهم بمصطلحات الشركات.

مفهوم الحرية: "حرية التعبير لا مجانية البيرة"

هنا بقى بنوصل لـ "مربط الفرس" في فلسفة ستالمان. في الإنجليزي كلمة (Free) بتمشي بمعنيين، وستالمان كان دايماً بيشرحها بمثاله العبقري: "فكر في الحرية زي حرية التعبير (Free Speech)، مش زي البيرة المجانية (Free Beer)". الفكرة مش إنك متدفعش فلوس، الفكرة إنك تمتلك حق المعرفة وحق التحكم في جهازك.

البرمجيات الحرة مش "عمل خيري" للفقراء، دي "حق إنساني" للمستخدمين. "ادفع تمن البرنامج زي ما أنت عايز، بس المهم لما تاخده، يكون من حقك تفتحه وتعدله وتوزعه". الفلسفة دي كانت هي الأساس اللي اتبنى عليه "القلب التقني" للنظام، وبدأ ستالمان وفريقه يبنوا "شنطة العدة" اللي هتبني العالم الجديد ده قطعة قطعة وبإتقان شديد.

بناء "القلب التقني": كيف صُمم نظام GNU؟

ستالمان مكنش بيبني مجرد برنامج، كان بيبني "دولة رقمية" مستقلة، وكان لازم يبني "الوزارات" بتاعتها قطعة قطعة وبإتقان ملوش مثيل. وبما إن يونكس مبني على فكرة "الأدوات الصغيرة" اللي بتكمل بعضها، ستالمان اتبع نفس المنهج؛ بدأ يجمع المتطوعين، واحد يكتب أداة لترتيب الملفات، والتاني يكتب أداة للنسخ، والتالت يكتب "المحرر" اللي بيكتبوا فيه الأكواد.

الفلسفة كانت: "اعمل حاجة واحدة بس، واعملها بامتياز". وده سمح للمشروع إنه يكبر "بالحبة"، قطعة قطعة بتركب في التانية بانسجام، والمبرمجين بدأوا يحسوا إن الحلم بقى حقيقة وبقى عندهم "شنطة عدة" كاملة وحرة تقدر تبني أي حاجة. ومن هنا ظهرت المكونات الأساسية اللي بقت "العمود الفقري" للنظام وخلت الكل ينبهر بجودة المشروع.

المكونات الأساسية لنظام GNU

عشان يهرب من "المقصلة القانونية"، ستالمان وضع قاعدة صارمة: "ممنوع ناخد ولا سطر كود واحد من يونكس الأصلي". كل حاجة لازم تتكتب من الصفر وبأيد مبرمجين أحرار. كتبوا (GCC) اللي هو "المصنع" اللي بيبني البرامج، و(Emacs) اللي هو "المكتب" المتطور اللي بيكتبوا فيه، و(Bash) اللي هو "اللسان" اللي بيكلموا بيه الجهاز.

كل أداة من دول كانت معجزة تقنية في وقتها، والمبرمجين بقوا يستخدموا أدوات GNU حتى لو هما شغالين على أنظمة تانية مقفولة، لأنها كانت ببساطة "أحسن وأسرع وأقوى". وبكدة، مشروع جنو بدأ يسيطر على "عقول" المبرمجين بجمال تصميمه قبل ما يسيطر على أجهزتهم، وكان لازم التطور التقني ده يصحبه "ميثاق أخلاقي" يحميه من السرقة، وده اللي حصل في بيان جنو.

بيان جنو (1985): الميثاق الأخلاقي والاقتصادي

بعد سنتين من الشغل المجهد، نشر ستالمان "بيان جنو" عشان يحط النقط على الحروف ويشرح للناس هو بيعمل كده ليه. البيان ده كان مزيج بين الفلسفة العميقة وبين "البيزنس الذكي"؛ قال فيه إن التعاون هو اللي بيبني الحضارة، وإن الاحتكار هو "فرملة" للتطور الإنساني. ورد على سؤال "المبرمج هياكل منين؟" بذكاء شديد فتح آفاق جديدة للاقتصاد الرقمي.

قال إن الشركات ممكن تكسب من "الخدمة والدعم الفني" مش من قفل الكود. "بيع شطارتك، متبيعش القفل". البيان ده جذب آلاف المبرمجين من كل أنحاء العالم اللي كانوا مستنيين "دعوة" صادقة زي دي. وعشان "المركب تمشي" في وسط أمواج الشركات العاتية، كان لازم يكون فيه كيان رسمي يدير الموضوع، فكانت مؤسسة البرمجيات الحرة (FSF).

تأسيس مؤسسة البرمجيات الحرة (FSF)

ستالمان أسس FSF كمنظمة غير ربحية لتكون "المظلة" اللي بتحمي المبرمجين والقضية. المؤسسة دي كانت بتجمع التبرعات، بتشتري أجهزة خارفة للتطوير، وبتدفع رواتب لبعض المطورين عشان يفرغوا نفسهم للمشروع بعيداً عن ضغوط لقمة العيش. والغريب والجميل إنها قدرت تمول نفسها بطريقة "شريفة"؛ بدأت تبيع شرايط وكتيبات تعليمية للبرامج.

رغم إنك تقدر تحمل البرامج ببلاش، الناس كانت بتشتري عشان "تدعم القضية" وعشان الإنترنت وقتها كان بطيء جداً. المؤسسة دي أثبتت إن "الحق محتاج قوة" وتنظيم عشان يقدر يصمد قدام غيلان الشركات، وهي اللي ثبتت "الحريات الأربع" كمعيار أخلاقي وقانوني مفيش فيه فصال، وصار هو الدستور اللي بيمشي عليه أي حد عايز ينضم للمجتمع الحر.

الحريات الأربع: المعيار الأخلاقي للبرمجيات

ستالمان ثبت 4 قواعد ذهبية سماها "الحريات الأربع"، وبدأ الترقيم من "صفر" (زي عد المبرمجين): الحرية 0: حقك تشغل البرنامج لأي غرض، ومحدش له عندك حاجة. الحرية 1: حقك تفتح "بطن" البرنامج وتشوف الكود وتعدل فيه براحتك. الحرية 2: حقك تعمل نسخ وتديها لصاحبك "جدعنة" ومساعدة، والمشاركة هنا عمل نبيل مش جريمة. الحرية 3: لو طورت البرنامج، من حقك تنشر النسخة دي عشان الكل يستفيد. أي برنامج مبيوفرش الـ 4 دول، ستالمان بيسميه برنامج "استبدادي"، وعشان يضمن إن الحريات دي متتسرقش، عمل حركته العبقرية في رخصة GPL ومفهوم "حقوق المتروك".

رخصة GPL وخدعة "حقوق المتروك": قلب السحر على الساحر

هنا بقى قمة العبقرية؛ ستالمان استخدم قوانين "حقوق النشر" (اللي معمولة أصلاً عشان تمنع الناس) عشان "يجبرهم" يفضلوا أحرار! عمل رخصة (GPL) واستخدم فيها مفهوم (Copyleft)، اللي بيقول: "خد الكود، عدله، بيعه.. براحتك، بس بشرط واحد: أي حد ياخده منك لازم يفضل معاه نفس الحريات دي".

بكدة، الكود الحر بقى زي "الفيروس الحميد"، أي حاجة يلمسها لازم تبقى حرة زيه، وضمن إن مجهود آلاف المتطوعين هيفضل ملك مشاع للبشرية للأبد ومحدش هيقدر "يخطفه" ويقفله تاني. الرخصة دي كانت "الدرع القانوني" اللي حمى أهم أداة في المشروع وهي مترجم (GCC)، اللي بقى هو الحجر الأساس الحقيقي في بناء كل الأنظمة الحرة اللي بنشوفها النهاردة.

مترجم GCC: الحجر الأساس الذي بنى النظام

أي نظام تشغيل محتاج "مصنع" يحول كلام المبرمج لـ أصفار ووحايد، المصنع ده هو المترجم. ستالمان قعد سنين يبني (GCC) بإتقان ملوش مثيل، ولما طلع كان "وحش تقني" بيطلع برامج أسرع وأقوى من البرامج اللي الشركات بتبيعها بفلوس كتير. بسبب جودته العالية، المبرمجين في كل حتة اضطروا يستخدموه لأنه ببساطة "الأداة الأحسن هندسياً".

GCC كان هو "العمود الفقري" والمصداقية الحقيقية لمشروع GNU عند المهندسين، وبسببه بقى المشروع نظام حقيقي له "أنياب" مش مجرد أحلام وفلسفة. النظام كان اكتمل تقريباً، بس الحظ عانده في "النواة" (Hurd) اللي كانت معقدة زيادة عن اللزوم وأخدت سنين في التطوير، ليظل الجسد القوي ينتظر الروح، لحد ما ظهر المنقذ من مكان مكنش حد يتوقعه.

نواة GNU Hurd: الطموح الذي تعثر في التفاصيل

بحلول سنة 1990، مشروع GNU كان خلص كل حاجة تقريباً؛ المترجم، المكتبات، الألعاب، الأدوات.. مكنش ناقص غير "النواة" (Kernel) اللي هي "الموتور" اللي بيحرك العربية. ستالمان وفريقه بدأوا يشتغلوا على (Hurd) بتصميم "ثوري" ومعقد جداً، بس للأسف التصميم ده كان سابق وقته ومحتاج دقة خرافية، فالفريق غرق في التفاصيل والتطوير اتأخر سنين.

السيستم بقى "جثة قوية" وجاهزة بس مستنية "الروح" عشان تقوم تمشي وتنافس، والفراغ ده خلى العالم كله مستني ومترقب. وفي اللحظة اللي الناس بدأت تفقد الأمل، ظهر شاب فنلندي في 1991 وغير مجرى التاريخ بلمسة بسيطة بس فعالة، وحصل اللقاء التاريخي بين أدوات GNU وبين نواة "لينكس"، وولد النظام اللي غير شكل العالم.

GNU وLinux: حين التقى الجسد بالروح

لينوس تورفالدس كتب نواته "لينكس" كنوع من الهواية، ولما خلصها لقى إن معندوش "أدوات" يشغلها بيها، وفي نفس الوقت ستالمان كان عنده "الأدوات" بس معندوش "نواة". وبسرعة البرق، المبرمجين على الإنترنت عملوا "الربط التاريخي"؛ أخدوا أدوات GNU وحطوها فوق نواة Linux، وفجأة بقى عندنا أول نظام تشغيل حر بالكامل وقوي جداً.

الحلم اللي ستالمان بدأه في MIT بقى حقيقة في 1991، بس النتيجة كانت كيان هجين وقوي نبت من تعاون عالمي غير مسبوق. ومن هنا بدأت "معركة الأسماء"؛ ستالمان بيصر إننا نقول (GNU/Linux) عشان الناس متنساش "القضية الأخلاقية" اللي بدأت قبل لينكس بسنين، وعشان نفضل فاكرين إننا بنستخدم نظام هدفه "الحرية" مش مجرد "الكفاءة التقنية".

Tags

إرسال تعليق

0 تعليقات

إرسال تعليق (0)

#buttons=(اوافق) #days=(20)

موقعنا يستخدم ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لتحسين تجربتك. تحقق الآن
Ok, Go it!